أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
200
شرح مقامات الحريري
أبو عبيدة : كان أبو عمرو أسمر طويلا ضرب اليدين ، حادّ النظر ، ما رأيت مثله قبله ولا بعده في فهمه ولا علمه ، وكان صاحب غريب ونحو وعلم ، وهو أحد الأئمة في القراءة ، وعنه أخذ يونس والأصمعيّ وأبو عبيدة . وفيه يقول الفرزدق : [ البسيط ] ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها * حتى أتيت أبا عمرو بن عمّار « 1 » وقال ابن مجاهد : كان أبو عمرو مقدّما في عصره ، عالما بالقراءة ووجوهها ، قدوة في العلم باللّغة ، إمام الناس في العربية . وكان مع ذلك متمسكا بالآثار ، ولا يكاد يخالف في اختياره ما جاء من الأئمة قبله ، متواضعا في علمه . وقال أبو عبيدة : كان أبو عمرو أعلّم النّاس بالقرآن والعربية وأيّام العرب وأنسابها وشعرها ، وكانت دفاتره ملء بيت ، فلمّا تنسّك أحرقها ، وجعل على نفسه أن يختم القرآن في كلّ ثلاث ليال ، فلما أسنّ اختلط بالناس ، واحتاجوا إليه فعوّل على حفظه ، فأملى من حفظه كتب الناس ووقع عليه الإجماع . روى الأصمعيّ عن أبي عمرو قال : كنت أسمر مع مسلم بن قتيبة الباهليّ وكان يعجبه الرّويّ على السين ، فأنشدته ليلة ستين قصيدة على السين لستّين شاعرا ، اسمهم عمرو . الأصمعيّ : كان لأبي عمرو كلّ يوم من غلّة داره فلسان : فلس يشتري به كوزا ، وفلس يشتري به ريحانا ، يشرب في الكوز يومه ، ويشمّ الريحان يومه ، فإذا أمسى تصدّق بالكوز ، وأمر الجارية أن تجفّف الريحان وتدقّه في الأشنان . الأصمعيّ : قال أبو عمرو : كنت في ضيعتي ، فاشتدّ عليّ الحرّ ، فكنت أدور في سدر فيها نصف النهار ، فسمعت قائلا يقول : [ الطويل ] وإنّ امرأ دنياه أكبر همه * لمستمسك منها بحبل غرور « 2 » فقلت : إنسيّ أم جنّي ؟ فما أجابني ، فنقشته في خاتمي ، فكان نقش خاتمه . الأصمعيّ : كنت واقفا بالمربد ، وإذا أنا بأبي عمرو ، فلما بصر بي مال إليّ ، فقال : ما وقوفك هنا يا أصمعيّ ؟ قلت : إني أحبّ المربد وأكثر الجلوس فيه ، فقال : الزمه ، فإنه
--> ( 1 ) البيت للفرزدق في أدب الكاتب ص 461 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 456 ، 528 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 261 ، والكتاب 3 / 506 ، 4 / 63 ، 65 ، ولسان العرب ( غلق ) ، والبيت ليس في ديوان الفرزدق ، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر 1 / 118 . ( 2 ) يروى البيت : وإنّ الذي يمسي ودنياه همّه * لمستمسك منها بحبل غرور وهو لهاني بن توبة الشيباني ( الشويعر ) في لسان العرب ( حمد ) ، ( شعر ) .